مقتطف من كتاب بلال حسني كعكة الحمار الوحشي
بلال حسني   By • 31 AUGUST 2026

يتجول بلال حسني في مصنع مهجور ويقابل عمال بناء وكلبًا أزرق، وعلى الرغم من أن كل شيء حقيقي إلا أنه يبدو خياليًا تمامًا.

لا بد وأن قطط الشوارع أكثر حسية من قطط البيوت، وأقرب لتفسير معنى الوجود، خاصةً ونحن نرمي إليها دايماً من بواقي أكلنا الأحشاء والعيون، ومع ذلك فإن القطط الضالة لا تقوى على الحياة في المدن الصناعية العملاقة مثل الكلاب. الكلاب توجد أينما وُجد الرجل، بإدراك خاطئ أنها تنتمي إليه وإنه هو الراعي، تُهلك عمرها في محاولة فهم لماذا لا نتشابه ولو شكليًا، وتنهي حياتها وهي محملة بشعور مزمن بالذنب، لأنها لم تبذل جهداً كافيا لتستحق هذا الإنتماء.
***
هكذا أراح الكلب الأزرق رأسه المبتل فوق فخدي، كمن استيقظ من حلم مزعج ولا يريد التحدث عنه، ظل مستندًا دون مرمغة، ثم ترك صورة مائية لأسفل فكه مطبوعة على بنطلوني. هذه هي سابع أو ثامن مرة يقوم بنفس الحركة، ثم يخرج إلى الشارع. هبط السلالم ثم تحرك بين ماكينات كوداك، ولامس بذيله ماكينة فرن التحميص لينعم بالدفء قليلًا. توقف أمام البوابة الرئيسية والتفت إليَّ، حتى الكلاب حين تفكِّر تبدو مهمومة. عيناه اللتان تبدوان لرجل أربعيني مصاب بارتفاع الضغط، تنتظر أن تصدر مني أي إشارة لكي يبقى. ربما كان يتساءل: هل العضمة في المنام تعني شيئًا آخر غير كونها عضمة؟ توقفت عن تقليب فورمة حديدية لطباعة شعار على البسكويت، فورمة في حجم علبة الكبريت.
أتذكر كيف كانت المدرسة تُجبرنا مع بداية كل عام أن يحصلوا على عينة براز داخل علبة كبريت. كان الأمر أسهل لو أن العينة في علبة أكبر، هذه الدقة التي تلزم لاقتطاع جزء صغير ١٠ سم في ١٠ سم من برازي، كانت أشبه بطبيب جراح يقوم بإجراء عملية لنفسه، وتسمح بالانتقاء. عالجت أمي الموضوع مثل أغلب الأمهات. كنا نستبق تنفيذ الأمر قبل ليلة من موعد تسليمها .أنام وإلى جواري علبة كبريت. أظن أن اختيار علبة الكبريت لوضع العينة كان اتفاق ضمني بين الأمهات والمدرسات، اتفاق على إهانة الطريقة التي يموت بها آباؤنا ببطء مع التدخين. طُرِدتُ من المدرسة لمدة شهر حين كنت في الصف الثالث الإعدادي، لأنني سلمت للمشرفة بدلًا من عيّنة الخراء قطعة من الشوكولاتة السايحة داخل علبة الكبريت، وبدلًا من عينة البول سلّمت تذكارًا من المني.

كعكة الحمار الوحشي من اصدارات الكتب خان، 2026

أنظر إلى فورمة البسكويت الجديد وأقلّبها في يدي. لماذا تهتم الحاجة نجاة هذه المرة بالشعار الذي يؤكل مع بسكويت الويفر؟ أشرد وأنا أنظر في عين الكلب الأزرق، أي إيماءة صغيرة أو إذا حركت رأسي ناظرًا لشئ آخر، سيكون إذنًا له بالبقاء. يبدو المنظر من خلف الجمالون الزجاجي المتسخ للمطبعة كمشهد افتتاحي غائم لحلم، أما الأفق فكان ضبابًا كثيفًا وعفارة من حبيبات الجير الخام من المصنع المقابل للمطبعة. قبل أن يخرج الكلب إلى الشارع كان يختفي تدريجيًا، على الأرجح سيعود بعد ثلاث دقائق من الآن.
أجلس على درجات السلم الخشبي المؤدي إلي سطح المطبعة، أفكر في التصميم الجديد لعلبة البسكويت. نسمّيها علبة كارتون ثلاثة كورنر، تفرقة عن علب الأربعة كورنر المخصصة لعلب الحلويات وعلب الفاشش المخصصة للأدوية واللمبات. الأمر أشبه بفن الأوريجامي. التقيت الحاجة نجاة صاحبة مصنع البسكويت قبل أسبوعين للاتفاق على تصميم وطباعة علبة منتجها الجديد. يقع المصنع في نهاية طريق المستعمرة، هذا هو العنوان المطبوع على منتجات الشركة، كلانا يعمل في الظلّ، و كلانا يبحث عن الآخر، بعيدًا عن الضرائب والرقابة الصناعية. نحن غير موجودين في السجلّات. أنزلني الميكروباص في بداية طريق المستعمرة، ثم أخرجت هاتفي واتصلت بها. قالت إن عليَّ أن أمشي لمدة ربع ساعة حتى أصل إلى المصنع: أمسك يمينك حتى تصل إلى مستشفى الجُذام، لا تخشَ شيئًا، ضمور الأطراف ليس مرضًا معديًا. أدخل من الممر الضيق بعد باب المستشفى، أنا معك على التليفون حتى تصل إلي الممر، بعد ذلك سينقطع الاتصال، لا توجد شبكة حتى وصولك للمصنع. أخبرتها أن السماء تمطر على خفيف وهناك شبورة تمنع الرؤية نوعًا ما، لكنها اعتبرت تلك الملحوظة محاولة مني للومها، وقد رفضتها تمامًا بصمت. كانت تتنهد بدلًا عني مع إيقاع خطواتي، كأنه مترنوم تقيس به المسافة بين الخطوة والأخرى. مررت على بضعة منازل وورش صيانة عربات النقل الثقيل. توقفت عند يافطة مكتوبة بخط اليد: “ورشة صيانة المستقبل للنقل الثقيل”.
***
رايقين سواقين النقل التقيل،
مهارة في العزف بالكلاكس،
مع امرأة من قماش،
مطرزة ككسوة للكرسي المجاور،
بتدخن سيجارة ما تنطفيش
طول الطريق.

***
تجاوزت الباب الرئيسي لمستشفى الجُذام، كان الحارس يجلس داخل كابينة زجاجية. مكان قلب الحارس تومض لمبة زرقاء موفرّة للطاقة بداخلها عدسة، تومض بشكل متقطع… يُخرِج الموبايل المضيء الذي يضعه في جيب القميص. لا بد أن جاءه اتصال. تجاهلته حتى وصلت إلى الممر بعد المستشفى. جاءني صوته: “رايح فين يا أستاذ؟”. هنا ردت الحاجّة نجاة ولقنتني: “قول له أنا ضيف – وكانت تشدد على الحروف – أنا ضيف الحاجة نجاة مرات العربجي”. لا بد أن إضافة مرات العربجي لاسمها هو كلمة المرور إليها. كان ردي عليه مثلما تكتب كلمة السر وتظهر أمامك على شكل نجوم سوداء صغيرة لرجلين تقابلا صدفة عند الثقب الأسود، يسأل أحدهم الآخر عن ورشة صيانة المستقبل للنقل الثقيل. كان أمرًا نبيلًا منها أنها لم تضع كلمة مرور قوية بإضافة أرقام أو علامات ترقيم. فكرت إذا كانت الحاجة نجاة ستشاركني إعادة تحديد كلمة المرور مستقبلًا، كنت سأقول هذه الأرض كلها كانت منطقة إيواء لمصابي الحرب العالمية الثانية. لتكن كلمة المرور أنا ضيف الحاجة نجاة ١٩٤٢ معركة العلمين المستعمرة رومل ثم علامة ترقيم مفضلة لتكن فاصلة، بعدها مرات العربجي بلا مسافة، أرملة بائع روبابيكيا يعمل على عربة كارو يجرها حصان، وزوجته تقف في الأسواق تعرض نفسها لتنظيف الأسماك للمارة. وميزة إضافية هي أنّها لا تجعل السمك زفرًا. معروف أن تنظيف الحيوان سواء طير أو سمك وتجهيزه للطبخ يتطلب أداءً عضليًا لا يزفره. خطأ بسيط مع مزاج متعكر وعدم اعتناء ويصبح أكل ذلك اللحم غير محتمل. قد تتطلب كلمة المرور القوية إضافة علامات، لتكن: كيف حصلت منظفة أسماك على مصنع بسكويت؟
سلكت من الممر. كان على كلّ شباك في جانب المستشفى أصيص صغير مزروع به بصلة. بعد ثلاثة أو أربعة شبابيك تولتني رائحته. أشعر أنني ظللت هناك من ساعتها وللأبد، وأن أي حدث جاء قبل أو لم يجئ بعد سأتلقفه من هذا الممر. خرجت كفّ رجل مسن من الشباك وقطفت بصلة، كان بكفه ثلاثة أصابع في سبيلها للتآكل. مررت من أمام الشباك وتجاهلت النظر إليه. جاءني صوت الحاجة نجاة عبر الموبايل: “استمر في المشي أنا أراك، لا تحاول أن تا تا تا…”. علق حرف التاء مرات متتالية ثم أنقطع الاتصال. فكرت أنه لا يمكن أن يعلق حرف في استماعه من مكالمة هاتفية. يحدث ذلك مع التسجيلات أو أثناء البث. كان أمامي مصنع مهجور كامل البناء لكن تنقصه الأبواب والنوافذ وبعض من الجدران الرخامية. إذا قالت الحاجة نجاة أنّها تراني، فمصنعها بالتأكيد يقع خلفه. قبل أن أتحرك عاينت الخطوات التي عليَّ اجتيازها. أمام أقدامي ممر خشبي فوق الطين، ثم منخفض أو تجويف في الأرض بعمق ستة أو سبعة أمتار، يبدو أنه كان يستخدم كعجان داخل المصنع المهجور. سيكون عليَّ أن ألتف حوله وصولًا إلى سلّم من الخرسانة منزوع الرخام، تمام.. لقد عبرته مستعينًا بالموبايل، ربما يعود صوتها مرة أخرى. كنت أرفع الموبايل في اتجاهات مختلفة كمن يبحث عن ذبذبات لغم أرضي. قاربت الساعة على الثانية عصرًا. عبرت السلم الخرسانى الذي يصعد إلى الطابق الأول من المصنع. دور كبير في آخره سلم آخر للهبوط. اتجهت نحوه… كان على يميني مجموعة من الشباب يجلس كل واحد منهم على حجر وتتوسطهم مائدة من حجر أيضًا فوقها صينية كبيرة بها أطباق بتنجان وبيض وبطاطس ومخلل. جميعهم حفاة وبلا قمصان. من مظهر صدورهم العارية فهمت أنّهم مجموعة عمال بناء أو هدد. قام واحد منهم وأقترب قائلًا: “مش عايز عمال؟”. هززت رأسي مبتسمًا بالرفض. مشيت بضع خطوات وصولًا إلى سلم آخر، ثم بدأت السماء تمطر. توقفت وأشعلت سيجارة. نفس الشاب الذي تحدث معي أشار إليَّ: “لو عايز تاكل.. لف”. هذه المرة رفعت له ذراعي تعبيرًا عن الشكر وعن ألا يبادر مرة أخرى بالتحدث معي. بخطوات ساذجة تحرَّكت في المكان متفحصًا أركانه بلا اكتراث. فكرت أنّها طريقة دفاعية قد أوحي بها أنني موظف من بنك دائن أو من هيئة حكومية يعاين المكان. هذا الأداء قد يحميني إذا ما قرر هؤلاء العمال تثبيتي وسرقتي. التقت عيناي مرة أخرى بالشاب. هذه المرة أشار إليَّ برأسه أن أمشي في ممر يقود إلى البوفيه. إما أن أهبط السلم تاركًا المصنع المهجور، أو ألقي نظرة على البوفيه تأكيدًا على أنني لا أخشى شيئًا، تجاوزتهم ومشيت في ممر. ثم نادي الشاب قائلًا: “يا عجمي!!”. بدا كمن ينبه صاحب البوفيه إلى أن هناك زبون قادم. عجمي هو اسم جدي، الأمر الذي جعلني أنظر مليًا في وجه الفتي وقد اختلط عليَّ الأمر، ربما ينادي عليَّ أنا. لكنه أشار أن أكمل سيري للداخل. جلست على الدكة، لا يجب أن أخشى من شيء، إن كنت لا أرى الحاجة نجاة فهي تراني. كما اتضح سبب وجود كل شيء: عمّال البناء يبحثون عن عمل مع أي أفندي يبحث في المستعمرة عن مصنع مبلول. مبلول تعني هنا أن لا ورق ثبوتي للأرض أو لا توجد أي عين للحكومة في هذا المكان. أما عامل البوفيه، ربما كان يعمل سابقًا في هذا المصنع المهجور وهو ما تبقى منه. ربما يعمل هنا لأن المصنع المهجور نقطة عبور للمصانع والمساكن خلف أرض المستعمرة. استرحت للفكرة. جلست على الدكة و مددت قدميَّ. لم يكن هناك سور، كنت أطلُّ على عجان أو تجويف، في قعره زيت أشبه بزيت المحركات، لا يشبه التطلع إلى انعكاس صورتي فيه النظر إلى سطح المياه الراكدة. تبدو صورتي المعكوسة بالأزرق الداكن وتضفي مع لزوجة الزيت ثباتًا للانعكاس أكثر ثقلًا من الأصل. ظللت منتظرًا عتلة تسبح فيه ببطء حتى التحمت في صورتي المنعكسة. دخلت العتلة في صفيحة رأسي، ثم على غير المنتظر ثبتت في مكانها والتفت حول نفسها، بدت دماغي مقتطع منها مثلث كعلبة جبنة لافاش كيري تنقصها قطعة.
عدت واستندت على الدكة، ثم ظهر الرجل الذي يدير البوفيه. كان على بعد أربعة أمتار. قلت له أن يحضر لي كوكا كولا هو الاختيار الآمن. على أسوأ الفروض قد أجد بداخل الزجاجة فأرًا صغيرًا يسبح، مثلما كنت أسمع في صغري، وهو ما جعلنا نشرب بدلًا منها ولفترة طويلة، منتجًا محليًا للمياه الغازية اسمه سينا كولا.
أتى من الحجرة التي في آخر الممر يحمل في يديه زجاجة الكوكا كولا، ووضعها بجانبي. تجاهلت التطلع إليه. وكنت أنظر إلى حذائي الجديد الملطّخ بالطين. إلي جواري وقف عامل البوفيه الذي يحمل اسم جدي، يجهز شيشة، ثم انحنى ووضعها أمامي وناولني اللي ثم اختفي في الحجرة آخر الممر. لم أطلب منه شيشة. ربما ظنَّ أنني أشرت له أن يحضر لي كوكا كولا وشيشة. وربما بيستهبل ليحسِّن دخله، وهو يعرف أن المطر لن يتوقف، وأنني عالق هنا حتى ينتهي. سيطرت عليَّ رغبة في القفز داخل العجان. دائمًا أفكر في الموت أثناء الاسترخاء. ليس ذلك الاسترخاء الذي يأتي بعد تعب، بل الاسترخاء الذي يشبه اللحظة الممتدة، العتلة السابحة، ولا أفكر في الموت لإنهاء كل شيء، بل تنتابني فكرة ساذجة أنها اللحظة المناسبة للعبور. باب يُفتح للحظة ثم يغلق مرة أخرى. يأتي عامل البوفيه وهو يحمل صحن الفحم المشتعل ويلفه بسلسلة مثل بهلوان. ومع لفاته المسرعة بدت كدائرة نار تصلح لعبور الحيوانات الصغيرة، مثل الفأر الصغير في زجاجة الكوكاكولا، وبرطمانات أثداء وأقزام. اقترب الرجل وجلس عند قدمي يلقِّم الشيشة الفحمَ. الآن رأيت ابتسامته الودودة. هي نفس ابتسامة أبي في الصور. كان الرجل مكور العجين تُرِكَ ليختمر، له نفس لون جلدي، لون لا يتكرر كثيراً. الناس هنا جلودهم لا تخرج عن ثلاثة ألوان: القمحي وهو اللون الشائع، والأسمر، والأبيض المزرق. كان لونانا متطابقين. لون بني مثل كوب الكاكو باللبن قبل النوم وأنا صغير. سألته اسم الكريم ايه؟ قال عجمي، عجمي علم الدين، اخلع حذائك إذا كان شرابك مبتلًا. لا انتظر، قلت اسمك ايه؟ اسمي بالكامل محمد عجمي علم الدين. ربما ظنّ أنني موظف معاينة من البنك، كأنه يقول إنّه لا يهتم بالذي سوف أفعله باسمه، هذا أسم أبي بالكامل. تشممت الهواء، لا تزال رائحة البصل عند سور مستشفى الجذام في أنفي. ثم نظرت إلى الحجرة التي خرج منها الرجل، هل تخفي نسخًا أخرى من أمي وأخي وكلبي في داخلها؟ قلت له عاشت الأسامي! حين تأكد أن الفحم اشتعل مع أنفاسي، تحرك وعاد مرةً أخرى إلى حجرته. بالطبع فكرت أنه أبي، أو وددت أن يكون هو. تذكرت أول مرة ذهبت مع أمي لزيارة القبر الذي دُفن فيه. كانت تقرأ الفاتحة أمام حجرة قبور تحمل يافطة عائلة المغربي، هذا اسم عائلة أمي. قالت أبوك أراد أن يُدفن في قبر عائلتي. المرء يدفن مع من يحب. كان أبوك دائم الخلاف مع جدك، لذلك لا توجد يافطة تحمل اسمه، هذا طلبه. أحاول أن أتذكر كيف مات أبي. كانت هناك حكاية تقولها أمي بشكل متكرر لجيرانها الجدد. كان عجمي يعمل سائقًا في الميناء، وذات يوم قرر ادعاء المرض لطلب إجازة. ذهب إلى عيادة الجمرك وادعى أنّه لا يستطيع التبول منذ فترة. طلب منه الطبيب أن يقوم ببعض الفحوصات. ولما عاد إلى الطبيب أخبره أن الفحوصات تبين خللًا لا يعرفه، وطلب منه أن يذهب إلى عيادة أعصاب شهيرة بمحطة الرمل. ومن هناك بدأ رحلة علاج انتهت بشلل نصفي. وكانت هناك رسائل بخط جميل يحتفظ أبي بنسخ منها، أرسلها لرئيس الجمهورية وقتها محمد أنور السادات والسيدة آمال عثمان وزيرة الشئون الاجتماعية، يطلب فيها العلاج على نفقة الدولة، مشيرًا إلى أنه كان بطلًا من أبطال حرب ٦ أكتوبر. مات أبي يوم اغتيال الرئيس أنور السادات سنة ١٩٨١. كنت أشفق عليه وأتخيل أن موته كان بسبب انعدام الأمل في أن يردَّ السادات عليه وعلى رسائله التي أصبحت دفتر مراسلات.
عاد شبيه اسم أبي، والتقط الشيشة، واتجه ناحية حجرته مبتسمًا لي. ثم تبعه عمال البناء إلى داخل الحجرة. فكرت أنهم مجتمعين على جوزة واحدة لتدخين الحشيش. في تلك اللحظة رنّ جرس موبايلي. قالت الحاجة نجاة: “لو جاد، أنا بإيدي أظبط لك مصنع الآيس كريم المهجور وبسعر متحلمش به”. قبل ان أرد، قالت: “امش لحد الأوضة واخرج منها، قدام شوية هتلاقيني في انتظارك”.
مشيت في الممر وصولًا للحجرة التي يجتمع فيها عامل البوفيه وعمال البناء. كانت رائحة الحشيش تفوح منها بالفعل، لكن الحجرة كانت خاوية من أي أثر لهما، ولم يكن هناك ممر ينفذ منها كما قالت الحاجة نجاة. لا يمكن أن يكون الجميع هنا أشباح. عدت للبحث في المكان الذي كان عمال البناء يتناولون فيه الطعام. لا أثر لشيء سوى أحجار مرصوصة تشكل دائرة، وبحثت عن زجاجة الكوكاكولا. لا يمكن أن يعزم عليك شبح بزجاجة حاجة ساقعة. غالبًا ستختار الأشباح المياه المعدنية. رحت ناحية الدكة التي كنت أجلس عليها منذ دقائق. نظرت في الموبايل. الوقت المنقضي بين آخر اتصالين من الحاجة نجاة هو ثلاث دقائق. هذا يعني أنني عبرت سور مستشفى الجُذام ثم مصنع الآيس كريم المهجور دون حتى أن أجلس وأتحدث مع مجموعة عمال. أو أن أنظر لوجهي في العجان، أو أن يحضر شبح أبي كوكا كولا من الثلاجة ثم يأتي بالشيشة ثم يعود مرة أخرى ليأخذها ويختفي، ثم يمر العمال من أمامي. وقفت عند الدكة. لا أثر للكوكا كولا. ثم نظرت داخل العجان. كان التجويف به كومة مهولة من أكياس الطعام البلاستيك، وجذع شجرة مقطوع. نظرت مليًّا بحثًا عن زجاجة الكوكاكولا، ربما ألقيتها داخل العجان بعد أن انتهيت منها. لا لم يكن هذا العجان الذي جلست أمامه. نظرت خلفي. توجد دكك خشبية، جميعها متشابهة، وعلى الأقل اثنتان منها تطلّان على عجانين مختلفين، الأشخاص والمكان موجودين بالفعل. دائما ما أفقد تركيزي حين لا أشرب المياه لفترة طويلة. ما أدركته لحظتها أنّهم مجتمعين على غير إرادتهم أو ترتيب للأمر للتعبير عن هاجس أرفض التحدث عنه. وها أنا أكتب عن مصنع الأيس كريم المهجور، مصنع طفولتي، وعامل الشيشة، وعمال البناء الذين يقنعونني بمقاولة إعادة ترميم مبناي.
الآن، أنا مستند على درابزين سلم المطبعة. مرت ثلاث دقائق وعاد كلبي الأزرق، ربما هو الكلب الوحيد المزرق في هذا العالم. كان من أم جاحدة، تعيش مع زوجها وعشيقها في نفس الشارع. والفتات القليل الذي تحصل عليه تغذي به أردافها، حتى أن أربع عشرة جروًا قد أنجبتها على دفعتين جاءت كلها مصابة بشلل الكلاب. كان أسطى المطبعة لا ينضبط معه اللون الأزرق في ماكينة الطباعة. المبدأ الأساسي في طباعة الأوفست هو عملية فصل الألوان إلي أربعة ألوان أساسية، الأحمر الماجينتا، والأصفر، والأزرق السايان، والأسود. ولتجريب اللون الأزرق قرر ذات يوم أن يصبغ به الكلبة الأم. صُبغت الكلبة الأم أول مرة مع أول توريد لعلب لمبات نيازا الزرقاء التي تصدر لقارة أفريقيا، ثم أُعيدَ صبغها مرة أخرى مع أول توريد لمصنع فرج الله سابقًا فرجللو حاليًا، من أجل ألا نُلقي لفظ الجلالة في صناديق القمامة تم الاستعاضة عنه ب فرجللو من أجل التخفيف. وحتى بعد أن تمرَّس الصنايعي في التعامل مع اللون الأزرق كان يتفائل بصبغ الكلبة الأم. إذا توقفت عن القراءة الآن ونظرت إلى السقف، فاللمبة هناك وعلبة السجائر بجوارك والعصير الذي تركته في الثلاجة وأكياس فتح الله ماركت وقطعة الكرتون التي تحمل جواربك الجديدة كلها فيها من صبغة الكلبة الأم وتشكلان معًا كلبة الاستلاب. وكمساهمة مني في هذه الجريمة ضد كلبة الاستلاب، ولمدّ خط الطفولة البريئة على امتداده فقد سميتها الكلبة لاسي الشرموطة مساهمة بسيطة مني في إحياء طفولتنا الوهمية. وها قد وضعت الكلبة لاسي ذات يوم كلبًا كاملًا أزرق، ولا يمكن فصل لونه ولا حتى بمساحيق الإذابة. ولِدَ من رحمها لونه أزرق. وفي غضون سنتين أصبح الكلب الأزرق علامةً مميزة للمنطقة الصناعية التي تقع فيها المطبعة. وكنت أحيانًا أصف عنوان الشركة بالإشارة إلي وجوده على أول الشارع .
عاد كلبي الأزرق بعد دقائقه الثلاث، واقترب حتى وضع رأسه فوق فخذي. والآن فهمت! يريدني أن أنظر كيف يذهب إلى الشارع ليبلل رأسه ثم يعود. دعكت فروته، ثم خرج مرة أخرى إلى الشارع، وأظنه لن يعود ثانية ليلعب معي.
الساعة الآن الثالثة عصرًا، ويجب أن أصل مدينة الإسكندرية قبل الخامسة. وعدت ابني بفسحة معتبرة، فهذه أول خروجة له مع صاحبته. ينتظرني سائق سيارة المطبعة. ها هو يستظل داخل السيارة اللادا تحت شجرة البشملة التي سوف تتسبب له في قرحة في المعدة بعد أقل من أربعة أشهر. وبينما أقوم بغلق مفاتيح الإضاءة بين المكاتب، وهي إشارتي لكي يستعد، فيترك الثوب البدوي الذي يُطرزه ويضعه على المقعد المجاور، ثم يشغل المحرك ويقوم ليفتح بوابة الشركة. أسمع صيحة الكلب وكأن هناك خشبًا محشورًا في بلعومه. أتمشى هادئًا نحو البوابة. بالنسبة لي، حتى هذه اللحظة، لا شيء يستحق الأسى مقدمًا في حادث افتراضي لكلب ضال. أصل إلى موضع السائق الذي وقف مستندًا على البوابة، ينظر مبتسمًا إلي الشارع الفارغ. شبّورة من الجير الخام تضبب الرؤية. انتظرت أن يخبرني ما الذي حدث بالضبط، لكنه هزّ رأسه بالصبر في إشارة منه كأن الزمن سيتكرر مرة أخرى مع بداية الشارع. كان السائق يشبه رسمة غير مكتملة. قال إن كلبًا من الملونين صدمته سيارة كلارك لم تلحظه وهي ترجع إلى الخلف. نظرت في إتجاه أول الشارع، أنا مفلس لأقول له مقدمًا أن عليه دفن الكلب مقابل علبة سجائر أدفسها في جيبه.
***
في لحظات الظهور التدريجي للكلاب، فكرت أن هناك كنايتين للتعبير عن النقود. الآباء المؤسسون من الأسطوات القدامى يطلقون عليها الألمونيا، أما الجيل التالي فيستخدم لفظ المية/المياه. ربما كانت الألمونيا شيئًا ذا قيمة في أيامهم. ربما كانت أواني الطبخ مصنوعة من الألمونيوم (أنا أعرف أنها كانت من النحاس، وكانت تأتي مع شوار البنات وتطوف الشوارع في زفة الأثاث حتى منزل العروسين الجديدين). يروقني أكثر استخدام لفظة المياه للتعبير عن النقود. هي معادل بشري لحكمة الله وهو يقول “وجعلنا من الماء كل شيء حي”، الآية ٣٠ من سورة الأنبياء، وخليفته يدق يافطة من الصاج تصوغ حكمته بالمعنى البعيد للماء. لطالما راقتني فكرة أن اللغة العامية وُجِدت لتكون لغة مهزأة، والهزء هو لسان العدم. الماء عند الله غير الماء عند العوام، حتى النفخ، الله يقول الإنسان هو نفخ من روحي، سورة الحجر الآية ٢٩، بينما نكاد لا نستخدم لفظ النفخ إلا للتعبير عن توعدنا للمخطئ في حقنا. وإذا كانت السماء هي نفخ من روح المولى، فالاستخدام الآخر للفظة نفخ في لغتنا الأرضية يكون مع عامل البناء، حين تكتشف أن سقف منزلك يسرب مياه المطر فتطلب منه أن ينفخ أسمنت بين مسام أرضية السطوح.
***
يجري الكلب الأزرق وخلفه الكلاب الثلاثة. لا يبدو أنه يبحث عن سائق الكلارك لينتقم منه، فملامحه تخلو من التعبير كتماثيل الرخام التي تبكي دما بسبب ارتجاج في المخ. تلتوي ساقه كالفرخ الدائخ. كلبي الأزرق تحيط به الكلاب الثلاثة، لا تريده أن يقع ولا أن يجري في الاتجاه الخطأ. هناك إدراك متفق عليه بين الأربعة على أنها لحظة احتضار واحدا منها. هزني أنّه بدا كمن يفتح بابً تلو الآخر. أبواب لا مرئية يعبر منها لحياة أخرى. وكلما فتح باب، منعه الثلاثة من الولوج خلاله.
عدت إلى السيارة اللادا، التي بلا لوحة مرور. كان صاحب الشركة اشتراها خصيصًا لكي استخدمها وأقطع بها نصف المسافة فقط إلي الإسكندرية، حتى لا تنتبه لها شرطة المرور. عاد السائق إلى السيارة وانطلقنا. تجاهلت مشاهدة الخطوة التالية للكلب الأزرق. هطل المطر فجأة بغزارة. لا بد أن الكلب الأزرق يتابع أثناء لحظاته الأخيرة كيف ينسحب اللون منه إلى مصارف المجاري. لون يشبه طبقة زيت المحركات في عجّان المصنع المهجور. لا أتذكر أين قرأت تلك العبارة: “السما بتمطر مرة واحدة بس في أحلامنا”.
وصلت مدينة الإسكندرية، وها هي أشجار الجوافة في أرض المعمورة قد طرحت، وريحتها تتول وريحة أكل بيتطبخ طازة – مش بايت وبيتسخن – طالعة من مدافن الأقباط في الشاطبي، مع إن لا فيه أوضة حارس ولا فيه زوار.

بلال حسني

بلال حسني

 كاتب مصري، صدر له كتاب «كعكة الحمار الوحشي» (القاهرة: الكتب خان، 2024).

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Arabic

قصة قصيرة لبلال حسني: الأزهار المسكِرة

20 OCTOBER 2025 • By بلال حسني
قصة قصيرة لبلال حسني: الأزهار المسكِرة

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

six − 3 =

Scroll to Top
Views: 1