مقتطف من ماء ورد لسنابل عبد الرحمن

ميريام بن، "بدون عنوان".

سنابل عبد الرحمن   By • 22 JUNE 2026

من حجرتها في تونس الخلابة، تتأمل سنابل عبد الرحمن حرب الإبادة في غزة بعين دامعة.

ماء ورد من إصدارات خان الجنوب، 2026.

تقع مدينة المرسى الخلابة خارج اللغة. خارج المخيلة. خارج الذاكرة. خارج الحواس المتعارف عليها. أنا وهو هناك، على الكورنيش، في مواجهة البحر. نتناول البوظة التي تسيح على أيدينا. أفكر في بطلات روايتي راكضات، ضاحكات فألمح بابًا أثيريًّا يُفتح في قلب السماء. أشير إليه. يهز رأسه ويبتسم لأنه أيضًا يراه.
في أثناء وقوفي على الكورنيش أجعل المدينة تأخذني. أسمع البيوض اللزجة الأرزية الحجم التي تغطي الصخور المخضرة بالأعشاب البحرية وهي تفقس. أسمع قرقعة الماء الصادرة عن محارة بحجم الكف تشخر في نومها. أسمع رفرفة جناحي طير السنونو لحظة إقلاعه عن غصن شجرة طري. أسمع تلافي أضواء منارة سيدي بوسعيد. أسمع انسلال الماء المالح بين شعر طحالب البحر. أسمع خلخلة المفاتيح في جيوب مرتادي الشاطئ. أسمع نبضات قلب حبيبي الواقف بجانبي. أكاد أخلع صندلي وأمشي في الرمل، نحو الماء، مدفوعة بعنفوان من يصرون على الرجوع.
ولكن تطرأ غزة على ذهني كالمطرقة فأقول لحبيبي دعنا نترك البحر.
***
في الحديقة، تحت الشمس التونسية الحلوة، تدور الديوك السوداء حولنا. نجلس على مخدات تفوح منها رائحة القطط. أتحدث مع الجالسين.
لقد عاد الفجع إلى مرقده.
عادت المجزرة.
كنت قد قلت له صباحًا يجب أن ألتزم البيت اليوم. يجب ألا أخرج إلى العالم بهذا الفجع. ولكن غيرت رأيي وقررت أن أنضم إلى الكتاب في حديقة بديعة للتأمل والتحدث، لعل الربيع يعول في شيء.
عبق زهر اللوز في كل مكان. عبق قوي يكاد يغطي على رائحة الدم المعدنية التي تتفشى في كل زاوية في المدينة. طوفان الدم وصل إلى هنا.
علقت فنانة لطيفة كتبًا وقصاصات على أحبال ذهبية ربطتها بين الأشجار. التقطت الصور. كانت تزين أصابعها بخاتم فضي، نفس خاتمي. أشارت إليه وقالت لي بإنجليزيتها المطعمة بالألمانية، لننزل إلى المدينة ونشتري الحلي الفضية معًا.
طلبت منا الفنانة أن نعرف بأنفسنا. وضعت القناع وتحدثت بلباقة. ابتسمت كعادة النساء. عند الصمت قمت من مجلسي. مشيت نحو شجرة باسقة.
لم أتمنَّ أن «تنشق الأرض وتبلعني»، كما تتمنى النساء الفلسطينيات بشدة اليوم. تمنيت أن يُفتح باب سري في الحديقة، بين القطط الناعسة والديوك الدائرة، علني ألجه.
تركتهم وخرجت من الحديقة. أطلق الباب الحديدي الثقيل ذو «اللقاطة» أزيزًا مزعجًا.
رمضان حار، رمضان كريم.
لحق بي كلب أسود جميل. خرج من وراء الشجر رجل يجمع قناني الماء الفارغة في كيس بلاستيكي كبير.
في الطريق إلى «البيت» ناشد أبو عبيدة القريب الأثير، الشعب «العربي»، العالم «الإسلامي» للتحرك.
كم أنت وحدك يا فلسطيني.
كم أنت وحدك.
تمنيت لو كان غالب هلسا في التاكسي معي.
تذكرت ذلك المقطع في «الروائيون»، المقطع الذي يفضح هلسا.
«توقف فجأة وقرر ألا يعبر كوبري أبو العلا. بماذا تذكره هذه الرؤية للعالم عندما تثير مشاهدة كل هذا الفرح الصافي، هذا الفرح الذي يتقطر بكل هذه الحلاوة؟ قال لنفسه: مثل هذا الصفاء يقترن بفكرة الموت. لم تكن هذه النتيجة التي خرج بها محصلة تسلسل منطقي، بل قدمت نفسها كأنها قادمة من الخارج، كأنه سمعها من شخص آخر يقف قربه. ثم تذكر صباح اليوم التالي لليلة خروجه من السجن، عندما كان يسير مع زينب متجهًا من ميدان التحرير إلى باب اللوق. كانت مشاهد المدينة توحي بهذا الفرح الصافي. قال عبارة أزعجت زينة. ماذا قال؟ يتذكر. قال لها عن الرجل الذي يقترب من الموت في القرية، يطالع الناس والأشياء بتدقيق كأنه يراهم للمرة الأولى. يذكر أنه قال:…»
قاطع غالب هلسا سائق التاكسي. سألني لماذا أسكن بالقرب من قصر الزجاج؟
بقيت على صمتي وتفرجت من النافذة المغطاة بقماش أسود على الكلب اللقيط الذي حاول أن يلحق بي.
لما لم أرد، أعلمنى السائق أن الطرق إلى القصر مقطوعة وأننا لن ندرك البيت.

***

مشيت أنا وحبيبي إلى البحر. جلس هو على صخرة كبيرة وذهبت أنا أنقب عن جثث الصدف في الرمل. استرعاني صوتٌ أثيرٌ. كان ارتطام الموج الخفيف على الصخر الرمادي المغطى بالطحالب بديعة الخضرة يصدر قعقعة كريستالية. مشيت فوق الصخور حتى وصلت إلى الماء محاولة تتبع مصدر القعقعة التي ذكرت بجرش النجوم. نظرت إليه ، عله كان يمازحني بتحريك الصدف الذي ألقيته في يديه تنجيمًا بمستقبلي. لكنه كان على سكونه، ينظر إلى البحر ولا يلتفت نحوي. لم أجد مصدر الصوت. كان زبد البحر فقط.

ميريام بن، “بدون عنوان”، ألوان زيتية على قماش، 46 × 38 سم (بإذن من مؤسسة بارجيل للفنون).

عدت إلى المغازة.
فوق الثلج المجروش فرد السمك وأقرانه برهانًا على خصوبة البحر القريب. يشع ضوء النيون فوق الطاولة الباردة مسلطًا على الزعانف المخضبة القاني الذي تعبنا اصطباغ بحرنا به. أقف أمام المقبرة الباردة. تجول عيناي في المنظر المؤلم البديع وتقعان، دائمًا، على الأخطبوط الذي فرد أذرعه اللزجة للتفحص. أفكر في لحظات الأخطبوط الأخيرة.
أرض البحر باردة تثلج الصدر. عدا عن بقبقات صغيرة تصدر من البطلينوس الأزرق الجوف وصوت الموج المتكسر المنهال من السقف المائي العالي، لا يعكر السكينة الممتدة صوت. أترك جسدي يتمايل مع حركة قاع البحر. أشعر بالنعاس اللذيذ. يتشظى شعاع الشمس داخل الماء قوسًا قزحيًّا رقيقًا ويلامس مجساتي. أشيل إحدى أذرعي وأريحها على صخرة كبيرة تلاصقني. أشفط الملح المتخثر في فجوات الصخرة بتؤدة وذراع أخرى تحفر الأرض الصدفية لاهية. أرهف السمع لقلوبي الثلاثة النابضة وأدرك أن لا رغبة لي بشيء أبعد من هذه اللحظة في قاع البحر.
تعلق نجمة بحر صغيرة بذراع أخرى لم أكن قد انتبهت لحركتها. أُقرب النجمة المبتورة التي تحاول الانكماش على نفسها وألقمها فمي. آكلها متأنية وأشعة الشمس البعيدة ترسم الظلال المتمايلة على جسدي. أبقى على الوضعية نفسها مطولًا، لا أتحرك، أستجم، وأقرر أن أرحل نحو وجهتي الأخيرة في العتمة.
أفرك عيني وأرجع النظارات على وجهي. أحاول أن أركز بالكلمات التي كان ينطقها الرجل أمامي بإنجليزية مكسرة. أخفض من صوته. سألني إن كنت أفهمه. أجبته بالنفي. حاول أن يفهمني أن التحدث عن موت الدحنون يجرح شعور شعبه. قلت له إن البحر اصطبغ بالقاني وأنا لا أفهم ما يقول. فردت ساعدَيَّ أمامي بلفتة درامية وقلت له: «مش فاهمة، عيد». أعاد. الجملة نفسها. مرة تلو المرة تلو المرة. بقينا على الوتيرة نفسها ساعة كاملة ثم يوم كامل ثم شهر ثم سنتين، نتحرك مثل ألعاب ميكانيكية في حجرة مقفلة.
أرجع رأسي إلى الوراء وأضغط الأرض بكل قوتي. دفعي النفاث بمثابة تحليق سري. أبدل من لون جلدي لأنني أستطيع. أضايق البطلينوس. أطارد السلطعون. ألتهمه حتى عند غياب رغبة الأكل. أفتت صدفه وأنثره في الماء. أتفرج على شظايا الصدف وهي تسقط بروية على الأرض. يثير المنظر الباهر رغبة غريبة بالاندثار. أشعر بالإعياء فجأة. أزحف نحو صخرة عظيمة أحتمي بها. أبدأ بحفر الرمل الصدفي المجروش تحتي وأنزل نفسي رويدًا رويدًا حتى تغشى العتمة كل شيء.

زارني أصدقائي من وراء البحيرة. رقدوا إلى جانبي قليلًا تحت الشمس ثم جمعوا أغراضهم ورحلوا.
عند غيابهم شُق سقف الحجرة عن فوهة كبيرة مثل فم جائع في السماء.
كنا قد قضينا كل لحظة معًا. شعرت، لساعات حلوة طويلة، بعادية الحياة، بالأمل، بسلاسة الأيام المتوالية. وحاولت أن أتناسى الألم المتحلق بي كلما طار نورس بديع فوق رؤوسنا.
قلت لهم سأذهب إلى الحجرة وأغير ثيابي حتى نستمتع بالليل في المدينة. انتظروني.
عندما عدت إلى حجرتي، رقدت على السرير بملابس الخروج أبحلق إلى السقف الذي كان قد ابتدأ يتسع شرخه قليلًا. كانت الصور القادمة من غزة تنخز أطراف أصابعي مثل إبر حديدية صغيرة. لم أحركها ليتبدد الألم. عندما رقد حبيبي بجانبي أخذ يمسح الدمع الذي لم أكن أعي سقوطه. قلت له إنني معبأة اليوم بماء البحر. ولا شيء غير ماء البحر.
عدت إلى أصدقائي وأكلنا السمك ولجمت رغبة ملحة بالركض هلعًا؛ نحن نختفي.
مظاهرات عارمة اليوم في التونس. الشعب التونسي العظيم يصرخ بأعلى صوته بحقي في الحياة. حقي في العودة إلى القرى الصغيرة، المدن العريقة الصاخبة، السماء الرحبة، الشجر الحلو، الأرض التي تشربت بالدم وتوق اللاجئين إلى البيوت.
سقط من علو، فارس خالد، الشاب التونسي الحبيب في أثناء محاولته زرع العلم الفلسطيني في أعلى نقطة يستطيع. يمسح أبوه وجهه المضرج بالدمع ويقول، للشعب الفلسطيني، «هيني بعثتلكم خوكم».
يا الله يا تونس، أهكذا يكون حب الأخ لأخيه؟
والشهيد حبيب الله.
يا رب الشهيد حبيب الله


قبل أن نرحل عن تونس، علقت صورة أظهر فيها أمام البحر على سطح بيتنا المؤقت، عيناي محجوبتان بنظارة شمسية. خلب صديقتي منظرُ الغيم القطني المتناثر فوق جسد البحر. قلت إن بوابة السماء ورائي. اعترتني رغبة بأن أعبئ البحر في زجاجة صغيرة آخذها حيثما أذهب برهانًا على الشباب الذي يتلاشى.
وداعًا يا تونس.
إلى اللقاء.

سنابل عبد الرحمن

سنابل عبد الرحمن سنابل عبد الرحمن، كاتبة وباحثة أكاديمية في الأدب العربي. تحمل شهادة الدكتوراه في الدراسات العربية - الواقعية السحرية في الأدب الفلسطيني من جامعة ماربورغ. حازت سنابل شهادتي البكالوريوس والماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة تورونتو في كندا. تنشر مقالات حول النقد الأدبي والفني في المجلات الأكاديمية والثقافية، إلى جانب الفضاءات الفنية.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

مقتطف من ماء ورد لسنابل عبد الرحمن

22 JUNE 2026 • By سنابل عبد الرحمن
مقتطف من ماء ورد لسنابل عبد الرحمن
Essays

مقتطف من كتاب رنا عيسى: إن عشتم عشتم

4 MAY 2026 • By رنا عيسى
مقتطف من كتاب رنا عيسى: إن عشتم عشتم

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

1 × 4 =

Scroll to Top