شريط يطل على المتوسط

سونا ميرزائي، "أنطاكية".

هبة خميس   By • 11 MAY 2026

بين مانشستر والإسكندرية، تتخيل وتتذكر هبة خميس في آن معًا، تصف لنا ما تفتقده وما تريده، والبحر المتوسط هو الفاصل والملجأ.

أتذكر ذلك المشهد كثيرًا: الإسكندرية، أنا في المقعد الخلفي لسيارتنا القديمة، ألصق وجهي بزجاج النافذة بينما نتحرك على طريق الكورنيش الجديد. عيناي مثبتتان على البحر، أشم رائحة الأسفلت الجديد. لا أتذكر عمري وقتها لكن كان ذلك قبل بداية الألفية بأيام قليلة، أثناء شتاء طويل على غير المعتاد مثلما علَّق أبي. بدا الأسفلت لامعًا جدًا بسبب المطر، ورائحة الجو هادئة خالية من الأتربة التي أثارتها معاول الهدم التي هدمت الكورنيش القديم.
«تعرفي؟ ردموا البحر عشان الطريق، يعني إحنا كدة ماشيين عالبحر».
يمازحني أبي لأنه يعلم أني أخاف البحر، أتخيله أسفلنا يفتح فمه ليبتلع السيارة بنا فأجفل. الطريق طويل إلى وسط البلد كما اعتدنا في خروجاتنا الأسبوعية؛ تمشية على الكورنيش في محطة الرمل، يد والدي تحجب أزواج العشاق على الصخور عن نظري، الكثير من سندوتشات الفلافل من «محمد أحمد»، وأكياس الفستق والسوداني من محمصة «طرطوسية»، ثم نعود متخمين لمشاهدة فيلم السهرة. جدول ثابت للإجازة الأسبوعية يُعد المتنفس الوحيد لأرى البحر. في إجازة الصيف وفي وسط الأسبوع كنا نتجمع أحيانًا مع العائلة بكراسي البحر وأكياس السندوتشات، لقضاء سهرة قصيرة على شاطيء سيدي بشر القريب من المنزل.
منذ صغري اعتدت تخيل العالم مثل شريط طويل، شريط يطل على المتوسط. أتذكر تلك الصورة المنطقية للعالم وقتها وأضحك. تلقيت بعدها صدمة كبيرة حينما علمت أن هناك بلادًا بأكملها لا تطل على البحر. في ذهني كنت أتساءل عن طقس يوم الإجازة الأسبوعية لديهم، في ظل غياب البحر عنهم.
***
الآن تبدو لي حقيقة أننا نخطو في شوارع الإسكندرية وحدنا محزنة للغاية، حقيقة أن خطواتي الآن تعبث بخطواتك التي مشيتَها من دوني لم تعد مناسبة لي. كان لنا أن نسكن المدينة نفسها ونخطو في الشوارع نفسها ولا نتقابل أبدًا. بالأمس راجعت نشاطاتك على السوشيال ميديا، لأكتشف أننا سلكنا الطريق نفسه. أتعجب أحيانًا من قدرتك على متابعة حياتك بتلك الدقة.
بعد العمل في المركز الفرنسي بشارع النبي دانيال تبدأ جولاتك التي لا تنتهي في الشوارع، تتحرك من النبي دانيال، بيدك الكاميرا وتلمع عيناك تحت شمس المغيب، تقف للحظات أمام باعة الكتب، تقلب بينها بحثًا عن كتاب بالفرنسية لن تجده، ثم تقف لتقرر التقاط صورة. كنت تتحدث دومًا عن دقتك في التقاط تلك الصور، لكنني الآن أعلم أنك تحدد مسارك بها في شوارع لم تتمكن من حفظها يومًا.
من السهل تحديد مسارك في تلك المدينة إذا أدركت أنها تشبه شريطًا، وإذا تهت فلتتوجه صوب البحر، لكنك لم تحب التوجه هناك قط. تتخيل أن ثراء التفاصيل التي تحب التقاطها في الداخل فقط بعيدًا عن البحر، لكن ذلك الثراء الذي يغويك كان مصدره الأول البحر الموجود منذ الأزل، وقبل أن يرسم الإسكندر حدود مدينته بحبات الفاصولياء.
***
أتذكر ذلك الآن في طريقي بالقطار من مانشستر إلى مدينة تشستر القريبة من البحر. قبل انتقالي من الإسكندرية لمانشستر، أمسكت بخريطة بريطانيا كاملة لأعرف أي المدن تطل على البحر، راسلت الأصدقاء لمحاولة الوقوف على مكان أستطيع الانتقال إليه يشبه الإسكندرية. أخبرني صديقي المقيم في مارسيليا أنه كان يجب عليَّ منذ البداية الانتقال إلى مدينة متوسطية أخرى لأنني لن أتأقلم. أرسل لي آخر صورًا من مدينة برايتون المطلة على القناة الإنجليزية المليئة بالنوارس. كانت لديَّ قناعة بأن البحار تتشابه جميعًا، كما أخشاها كلها، ولظروف كثيرة انتقلت إلى مدينة مانشستر في الشمال من دون أي بحر لأطل عليه. في البداية ظلت عيناي تبحثان باستمرار عن مساحات مائية؛ قناة صغيرة، نهر، بحيرة. لكن ظل البحر بحرًا، يختلف تمامًا عن أي شيء.
في القطار يراسلني صديق يزور الإسكندرية زيارة سريعة، يرسل لي صورًا للبحر ومقاطع فيديو قصيرة تظهر شتاء المدينة. أتذكر رائحة الهواء البارد مع رذاذ البحر على وجهي فأنتعش. في الخارج يغطي الثلج كل شيء، تابعت أول هطول للثلج في الليلة السابقة وأنا أبكي بعد نوبة اكتئاب ثقيلة في رأس السنة. لم أبكِ لأنني بعيدة عن العائلة وغريبة، بل لأنني شعرت مثل طائر في قفص، لم أعلم إلى أين اتجه إذا لم يكن هناك بحر. ورغم خوفي من البحر اعتدت النظر إليه دائمًا، أعطاني مساحات للتفكير والتذكر. يذكرني البحر بأبي وحكاياته عن طفولته؛ كيف تعلم السباحة بين صخور الشاطيء الخربان القديم، وكيف اصطاد الأسماك أسفل كازينو الشاطبي القديم. ظل البحر على حاله حتى بعد طمس الكورنيش القديم، وبعد وضع الحواجز وحجب البحر. يقين داخلي كان يخبرني أنه مهما تغيرت المدينة سيظل البحر بحرًا.
وحينما هاجمتني نوبة الاكتئاب تلك، بحثت عن البحر مثل أي فتاة قضت أغلب عمرها تحدق إليه وتسرح فيه، فقررت تعديل رحلتي القصيرة والتحرك لأقرب بحر عقب انتهاء لقاء العمل.

سونا ميرزائي، “أنطاكية”، زيت على قماش، 147×137 سم، 2016 (بإذن من “ساتشي آرت“).

بعد دخولك منطقة العطارين تكون أكثر حذرًا، لون بشرتك وعيناك يفضحان غربتك، يتوقف الصبية في الشوارع ليرمقونك كأنك شيء غريب وجديد، هاتين العينان الزرقاوان اللتان أحببتهما، قامتك القصيرة وجسدك الضئيل جعلاك تتخيل أن تخفِّيك في تلك الطرقات أمر منطقي، لكن غربتك عن تلك الشوارع تفضحك دومًا. هنالك شخص ما سيوقفك ليسألك عن الكاميرا، ربما الحارس على باب قسم العطارين، أو أي شخص نصب نفسه حاكمًا على تلك الشوارع. أتتخيل أنك بتلك الكاميرا القديمة التي ابتعتها من سوق الجمعة بمبلغ ضخم ستمحو تلك الغربة؟
كونك واحدًا من أبناء المدن الأخرى لن يجعلك ابنًا لتلك المدينة، لا ينفي حقيقة أن تلك الشوارع ستذيبك. أتذكر مزاحك حول ذلك وكلامك عن عدد المدن التي زرتها ومشيت في شوارعها وشعرت بالألفة بينك وبينها، تتخيل أن كل المدن المطلة على المتوسط تتساوى، لكن مدينتي مختلفة عنها، أدرك أنها ستحبسك مثلما فعلت بي من قبل. يخبرونك أنهم يحبون مدينتهم ولا يودون فراقها لكنهم مثلي، أود الانعتاق لكني لا أعرف أين الطريق للحرية.
لأنني أحفظ تلك الشوارع كنت أحرس خطواتك، أمشي خلفك لأبدد غربتك، أتحرك من النبي دانيال للعطارين خلفك، ثم يعود عقلي إلى رأسي مجددًا، أفيق مما أفعله  فأقرر فجأة إبعاد خطواتي عن خطواتك. تعود أنت إلى قلب المدينة وأتحرك أنا صوب البحر، هناك كنت أتخيل نفسينا مكان العاشقين التقليديين على الصخر، مشهد الطفولة والمراهقة المعتاد، كل تلك المرات التي مشيت فيها بحذاء البحر. ما زلت الطفلة نفسها التي تود أن تكون جزءًا من ذلك المشهد.
على الصخر المشبع بالملح يحتضن الرجل يد المرأة ليغيبا معًا، من خلفهما أتمنى لو تقاطعت طرقنا الآن فينتهي بنا المشهد هنا.
أعلم أنني أتخيل كل ذلك كقصة حب محتملة مع شخص لم أعرفه من قبل، لكن تعثرت طرقنا ولم تتلاق قط مهما حاولت، فقررت الرحيل.
***
للتحرك صوب شاطيء قلعة فلنت شمال ويلز، استقللت قطارًا من مانشستر يتوقف في مدينة تشستر، مدينة تاريخية صغيرة بها ساعة قديمة منتصبة أعلى أنقاض البوابة الشرقية للمدينة، وتعد رمزًا لتاريخ المدينة نفسها كحصن روماني قديم. كان لديَّ لقاء عمل قصير في المدينة نفسها، فتركت ابني في منزل صديقة وتحركت بهدوء على الثلج مثل البطريق كي أتجنب الانزلاق، مشي الناس من حولي بنفس الطريقة المضحكة، وحرصت على عدم التعجل كما اعتدت.
غطى الثلج كل شيء حولي، لكن الشمس سطعت عليه ببساطة، لم أحب الشمس وسخونتها طوال الوقت، لكنني الآن انتقل لموضع تسطع فيه كي أشعر بالدفء ولو قليلًا، لكنها شمس باردة، ليست مثل الشمس التي هربت منها.
أنهيت لقاء العمل السريع في تشستر، ومن دون وقت كاف لزيارة مركز المدينة وساعة البوابة الشرقية القديمة التي سمعت عنها، استقللت قطارًا آخر يصل قريبًا من شاطيء قلعة فلنت. رغم برودة الجو إلا أن فضولي لاستكشاف ذلك البحر صار أعمق، أتخيل بحرًا شاسعًا، موجًا عاليًا، وأطلال قلعة قديمة شهدت استسلام الملك ريتشارد الثاني قبل اقتياده إلى لندن وعزله. تاريخ معقد أحاول فهمه طوال الوقت لكنني أعجز أحيانًا.
في القطار ألصقت وجهي بالزجاج على أمل رؤية البحر من بعيد، وبعد قليل ظهر خليج ضيق وضحل، مر القطار بحذاء النهر ثم بدأت رقعة النهر في الاتساع حتى وصلت لمحطتي، فلنت. حينما خرجت من المحطة كان الثلج قد بدأ في الذوبان والجو صار أدفأ.
على بعد خطوات ظهرت أطلال القلعة أمامي، سور حجري متهدم وبرج دائري اشتهرت به. هناك ممر خشبي يصل الشارع بالقلعة والشاطيء، بدأت الأسر في التوافد على المكان عقب ذوبان الثلج.
***
ماذا لو أن الإسكندرية حركت طرقها لنتلاقي الآن؟ ماذا لو كنت تراني ولم أكن طيفًا بالنسبة لك؟
مجرد فتاة أعجبتها معارضك فطافت لتراقب خطواتك والطريقة التي تلتقط بها الصور، لعلك تلاحظها ومعك تلك الكاميرا المعلقة على صدرك، تقدر اللحظات البسيطة والحركات الخفية، لكنك كلما تلفت لا تراها أبدًا.
في حياة أخرى سنكون هذين العاشقين على الصخور، وسيكون البحر أهدأ وأرق علينا، سنتخذ طريقًا على الصخور بين الموج بينما يرمقنا الناس خلفنا بغيرة، سأضع رأسي على كتفك، يدي بين يدك وشفتاي بين شفتيك لأخبرك عن خيبة حياتنا الأولى وكيف أضعنا بعضنا، سأخبرك عن عاشقي القديم وعن أحذيتنا التي ضاعت أثناء المشي بين طرقات تلك المدينة، سأحكي لك عن والدي وجولات طفولتي معه، تهكمه على أفكاري المراهقة، والحروب التي نشبت بيننا وانتهت بلا كلام، سأخبرك عن وجهه الملتصق بطرقات المدينة ونظرته الأخيرة المندهشة لي، وما جال في رأسه وقتها ليرمقني بتلك النظرة، سأخبرك عن شهوتي الضائعة، ملابسي الواسعة والحزن الذي يطاردني في المساء بينما تستعيد أذناي ذلك الصوت من غرف العناية المركزة فأرتعد ولا أنام.
في حياتي الأخرى سأختار النسيان كحل نهائي يمكِّننا من أن نظل معًا، ويجعلك تشعر بالألفة أمام ذلك البحر وبين تلك الطرقات. لن أتبع خطواتك أبدًا، لن تهرب مني وستراني جيدًا لمرة واحدة، وقتها سيصير كل شيء منطقيًا إلى الأبد، وستكون لي في النهاية. ستطويك تلك الشوارع لتذيب المسافة بيننا، ستحركك الإسكندرية وتريك جانبها الساحر لمرة واحدة، أنا عند البحر وأنت في النبي دانيال، وسيلاشى الفارق بيننا في لحظة ليضم جسدينا للمرة الأخيرة.
****
«هو فين البحر دة؟».
تردد صوت أبي داخل رأسي، بنبرته الساخرة نفسها، خطوت على الممر الخشبي حتى تخطيت القلعة ووصلت للبحر كما يفترض. كان الشاطئ مصبًا للنهر، طيني ويظهر قاعه عند المد المنخفض. مشيت كثيرًا على أمل رؤية بحر مثل البحر في خيالي. لكنني لم أجد سوى بحرًا ساكنًا مياهه طينية باهتة ومنحسرًا تمامًا.
تركت الشاطيء خلفي، ورحلت.
عقب عودتي ليلًا، ورغم إرهاقي من الرحلة القصيرة، ظل سؤال أبي معلقًا داخلي من دون إجابة.
«فين البحر؟».
ظل أبي متجسدًا أمامي، شابًا بوجهه الممتليء ونبرة صوته الساخرة نفسها، يربت عليَّ ويجيب بنفسه عن السؤال.
«البحر في اسكندرية، البحر هناك بس».
أغمضت عينيَّ وعدت لطفولتي، تخيلت العالم المثالي الذي حلمت به ووقفت هناك، على ساحل البحر وشريط العالم اللانهائي لأهدأ أخيرًا، وأطير خارج القفص.

هبة خميس

هبة خميس

كاتبة مصرية من مواليد العام 1987، صدرت لها رواية «مساكن الأمريكان» عن دار الشروق ووصلت للقائمة القصيرة لجائزة ساويرس لعام 2023، كما نشرت مجموعتين قصصيتين؛ «نافذة تطل على الميدان» التي حصلت على الجائزة المركزية لقصور الثقافة لعام 2011، و«زار» الحاصلة على جائزة ساويرس الثقافية لعام 2019 . أحدث رواياتها «هواء مالح» الصادرة عن دار الشروق 2025، ترجمت أعمالها للغة الألمانية والإنجليزية.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Essays

شريط يطل على المتوسط

11 MAY 2026 • By هبة خميس
شريط يطل على المتوسط
Fiction

قصة قصيرة لهبة خميس: يغلفني مثل معطف

23 MARCH 2026 • By هبة خميس
قصة قصيرة لهبة خميس: يغلفني مثل معطف
Arabic

مقتطف من رواية “هواء مالح” لهبة خميس

1 SEPTEMBER 2025 • By هبة خميس
مقتطف من رواية “هواء مالح” لهبة خميس

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

8 + four =

Scroll to Top