سطور وأفكار ومشاعر عن فلسطين؛ دليل إلى التحرير، وأنا صاحبها، عن الانتقام وجثة العالم، يكتب الشاعر إبراهيم المصري رؤيته العذبة.

الدليلُ إلى تحريرِ فلسطين
أوَّلًا: لا تُخطِئ في النَّحو.
ولا تظنُّ اللغةَ سائبةَ الاستخدامِ في غيرِ مقاصدِها، كأن تكتبَ كلمةَ «مقاومة»، ثمَّ تعفي ضميرَكَ من أكياسِ الدمِ التي يحتاجُها المقصوفون، هذا إن عاشُوا حتَّى يصلَهُم دمُك. أو إذا ازدحمَتْ مدرسةٌ بالنازحين، فهل ستذهبُ وتُوزِّعُ الماءَ والبسكويت؟ أم تكتفي بمناشدةِ الضميرِ العالميِّ وأنتَ تعلمُ أنَّه طعنةٌ في الظَّهر!
فاجلسْ صامتًا لا تفتحْ فمَكَ واسمعِ الدليلَ إلى تحريرِ فلسطين.
أوَّلًا: تستحمُّ وترتدي ملابسَ نظيفةً وتُمشِّطُ شَعرَك.
فلسطينُ تأبى أن يكونَ مُحرِّرُوها أجسادًا تنضحُ بالعَرَقِ إلَّا في ساحاتِ القتال.
أم تظنُّ أنَّكَ ببطالةِ المُناضلِ، بأُغنيَّتَين للشيخ إمام وقصيدتَين لمحمود درويش و«لا تُصَالِحْ» لأمل دُنْقُل، أو بكتابٍ كهذا ستُحرِّرُ فلسطين؟
يلزمُكَ أيضًا تمارينُ قاسيةٌ في الرشاقةِ، وقدرةٌ دائمةٌ على الابتسامِ، وفيضٌ من مودَّةٍ لا تتحوَّلُ مع سجائرِكَ الرخيصةِ، إلى هُراءٍ شَعبَوي.
وكتدريبٍ مبدئيٍّ على تحريرِ فلسطين، فَكِّرْ في تحريرِ عقلِكَ، في إهداءِ صديقِكَ كتابًا، زوجتِكَ قُبلةً، وأُمِّكَ شالًا جديدًا.
لكن، قبلَ شرحِ الدليلِ إلى تحريرِ فلسطين، عليكَ أن تُذاكِرَ كلمةَ «فلسطين» جيِّدًا.
إنَّها كلمةٌ لا تُعفيكَ من المسؤوليةِ عن صحَّتِكَ، عن تنظيفِ أسنانِكَ، عن ذهابِكَ مبكِّرًا إلى عملِكَ، عن إنجازِ ما يجبُ عليكَ إنجازُه، كالصِّدقِ ونظافةِ اليدِ واللِّسانِ، كزيارةِ أختِكَ المتزوِّجةِ التي لم تَرَها منذُ عامَين.
حتَّى إذا نَطقْتَ كلمةَ «فلسطين»، تُسْمَعُ الكلمةُ بكلِّ ما فيها من آلامِ بشرٍ، آخرُ ما يأملونَه أن تُغنِّي لهم أُغنياتِ النضالِ، وهم يسبقونَكَ إلى موتِهم.
أنا صاحبُ فلسطين
ما كنتُ لأرضَى بأقلَّ من خريطةِ بلدٍ يشبه خَنْجَرًا؛ أضعُها في صدرِ البيتِ، وأتأمَّلُها بأسى مَن فَقَدَ معظمَ قلبِه ويوشكُ على فَقْدِ ما تبقَّى.
وهذا ما كنتُ أقولُه مُستندًا على المجدِ، بينما أحصي اللاجئينَ والشهداء.
أشنُّ أحيانًا حربًا خاسرةً أو أطلقُ صاروخَين، أحتفظُ بمِفتاحِ الخريطةِ في جيبي، وكلَّما نازعَني أحدٌ ملكيَّتَها أظهرتُ المِفتاحَ مُغتبِطًا أنَّني هنا، واقفًا ولو على ساقٍ واحدةٍ، وحاملًا البندقيَّةَ التي رافقَتْني إلى حقولِ الزعترِ والزيتون.
لقد دافعتُ عنها مرَّةً بالحجارةِ فنلتُ إعجابَ العَالَمِ، لكنَّ أحداثًا كونيًّة أخرى أدارت الانتباهَ، فيما عدتُ أنا إلى البندقيَّةِ أتوكَّأُ عليها، أُطلقُ منها أحيانًا رصاصةً أو رصاصتَين، والمدى يضيقُ والبحرُ يضيقُ والأرضُ تضيقُ، إلى حَدِّ أن أصبَحَت مجرَّدَ مَعبَرٍ نتشاجرُ حولَ أن يكونَ مفتوحًا لا مُغلقًا.
كما أنَّني لم أعدْ أُشبهُ وجهي الَّذي أعرفُه، ولم أعد أعرفُ إلى أيِّ مكانٍ في الخريطةِ أنتمي وقد تنازعَها الجميعُ، ولو كنتُ قادرًا لانتزعتُها منهم، وأعدتُ بسطَها على الأرضِ ليراها الناسُ كما كانت، وأعطيتُ كلَّ صاحبِ دَينٍ كتابَ دَينِه، وقلتُ له انصرفْ من هنا؛
فلا هذه هي الأرضُ الموعودةُ لشعبٍ مُختار.
ولا هي أقصى ولا كنيسةُ قيامةٍ ولا حائطُ مبكى.
وإنَّما هي مجرَّدُ أرضٍ ككُلِّ أرضٍ لها صاحبٌ، وأنا صاحبُ فلسطين.
أنا صاحبُ فلسطين الَّذي لم يكن في بازل، ولا أَطْلَعَه أحدٌ على الكتابِ الأبيضِ، ولا كان حاضرًا في الأممِ المتَّحدةِ وقتَ قرارِ التقسيمِ، ولا كان قادرًا على دفعِ الشَّرِّ عامَ 1948.
كما أنَّه لا يعرفُ ماذا تعني كلُّ هذه القراراتِ التي تلاحقَتْ من 194 إلى 242، ولا جلسَ مع قادةٍ سياسيِّيْن يُوقِّعون باسمِهِ اتِّفاقيَّاتٍ للسلامِ، ولا مع قادةِ مقاومةٍ يُطلِقُون باسمِهِ النار.
أنا صاحبُ فلسطين الَّذي لا يعرفُهُ أحدٌ، ولا يريدُهُ أحدٌ ولا يعترفُ به أحدٌ، لكنَّه ينزفُ كلَّ يومٍ من جوفِهِ جرعةَ دمٍ، تُلوِّنُ ما إن تسقطَ الخريطةَ بالدم، حتَّى استحالَتْ كلُّها بلونِ الدم.
لكنَّني لا زلتُ أرفعُها على صدري وفي صدرِ البيت.
ولا يهمُّني إن كان أحدٌ يعترفُ بالخريطةِ أو بي صاحبًا لفلسطين.
يكفي أن أعترفَ بنفسي وبفلسطين.
أنا صاحبُ فلسطين.
غريزةُ الانتقام
«هاي أُمِّي بعرفها من شَعرها»
والدليلُ على موتِ أُمٍّ لا يكونُ أشدَّ وضوحًا من عبارةِ طفلةٍ، تحيا تحتَ شَعرِ أُمِّها، مطمئنَّةً، أو هو الحُبُّ وقد آلَ مع الأُمِّ إلى الموتِ مزدحمًا بالنداءات:
«تعالوا لي في المنامِ، واللهِ بشتاق لكم»
«طلعت من البيت مع أهلي ورجعت للبيت وحدي»
«اسمه يوسف سبع سنين شَعره كيرلي وأبيضاني وحلو»
«بينتقموا منَّا بالولاد، معلش»
وإنَّهم لا ينتقمون بالأولادِ فقط، وإنَّما الإرهابُ يجلسُ في الكِنيسِت أو في الكابينت ويأمرُ بالقتل.
وإذ الصواريخُ والقنابلُ مختومةٌ بفجورِ نجمةٍ سُداسيَّةٍ، فإنَّها تطالُ بالقتلِ الأولادَ والأُمَّهاتِ والآباء:
«أمانة حَدّ شاف إمّي؟»
«أمانة، يابا، تِصْحَى، أمانة تحكيلي إنَّك بتضحك عليّ»
«متحطُّوش رمل على بابا»
«مبارح كفَّنت أبوها واليوم كفَّنَّاها»
ولأنَّنا نُوقِّرُ أشلاءَنا، نجمعُها بما عليها من أسماءٍ تدلُّ على أصحابِها.
وإذ نحنُ جميعًا في احتباسِ الدموعِ، نؤجِّلُ البكاءَ الجماعيَّ على الضحايا، لكنَّنا لا ننسى الانتقامَ، أقرَّ به القانونُ الدُّوليُّ أو محكمةُ العدلِ الدُّوليَّةُ، أو لم يُقرِّا به مرفوعًا من خدمةِ الادِّعاءِ على قضيَّتِنا المُزمنة.
وإنَّنا لا نطلبُ العدلَ وقد أصبحَ مثلَنا يتيمًا على موائدِ اللِّئامِ وإنَّما نعرفُ الطريقَ إلى العدلِ بغريزةِ الانتقامِ لضحايانا، مَن دفنَّاهم جثثًا ممزَّقةً، ومَن دفنَّاهم أشلاءً عليها أسماؤُنا.

جثَّةُ العَالَم
مَنْ نجا ومَنْ ترجَّلَ، مَنْ أُصيبَ ومَنْ فُقِد.
ومَنْ نبحثُ عنه في المستشفياتِ المقصوفة.
مَنْ لا يجدُ الدواءَ ولا الماءَ، ومَن يوشكُ أولادُهُ على الموتِ جوعًا.
مَنْ يسرقُ موادَّ الإغاثةِ الإنسانيَّةِ ويُتاجرُ بها.
ومَنْ ينتظرُ تصريحًا بالخروج.
مَنْ يُؤيِّدُ حماسَ ومَنْ يلعنُها، ومَنْ يلعنُ إسرائيلَ ومَنْ يسألُ اللهَ زوالَها.
مَنْ لم يعد خائفًا من الحربِ، ومَنْ أصبحَ خائفًا من زقزقةِ عصفورٍ، إن كانت العصافيرُ لا تزالُ تُزقزقُ في قطاعِ غَزَّة.
مَنْ لا يزالُ صَلْبًا، ومَنْ أَوهَنَتْهُ الغاراتُ التي لا تتوقَّف.
مَنْ يسخرُ من المأساةِ ومَنْ يراها اختبارًا لإيمانِه.
ومَنْ يُفكِّرُ ماذا سيكونُ عليه صباحُ الغدِ، ومَنْ تبدَّدَ إيمانُهُ بالصباحِ وبالغد.
مَنْ يُدوِّنُ يوميَّاتِه للإمساكِ بعقلِه يَقِظًَا، ومَنْ أَصَابَتْهُ الهيستريا من هولِ الدمار.
مَنْ يجلسُ في خيمةٍ، ومَنْ يجلسُ تحتَ السماءِ التي تبدو غِطاءً مُحكَمًا على الناسِ في قطاعِ غَزَّة.
مَنْ ينامُ ساعةً أو ساعتَين في اليومِ، ومَن لا ينامُ حتَّى يشعرَ بليونةِ العِظام.
مَنْ يبكي ومَنْ ينتحبُ ومَنْ يصرخُ ومَنْ يضحك.
مَنْ لم يعدْ مؤمنًا بأيِّ شيءٍ، ولا يستطيعُ مع ذلكَ الكُفرَ بكلِّ شيء.
مَنْ ينتظرُ عودةَ الإنترنت، ومَنْ لا يسمعُ صوتَ أحبابِه في الهاتفِ المحمول.
مَنْ فَقَدَ ساقًا أو ذراعًا ومَنْ فَقَدَ كُتُبًا أو عملًا.
مَنْ لا يزالُ قَدْرَ طاقتِهِ يكتبُ على الفيسبوك.
ومَنْ يُخطِّطُ للقصاصِ من العدوّ.
مَنْ يستهزئُ بالمحلِّلين العسكريِّيْن والاستراتيجيِّيْن.
ومَنْ يحاولُ ضبطَ مؤشِّرِ راديو على موجةٍ موسيقيَّة.
مَنِ انقطعتْ دراستُهُ ومَنْ سقطَ جنينُها وتُعاني النزيف.
مَنْ يحاولُ جمعَ حطبٍ للطهي والتدفئةِ، ومَنْ يقولُ تمسَّكوا بالأمل.
ومَن يخاطبُ العَالمَ لعلَّه يفيقُ، ومَنْ يَجزمُ أنَّ العَالَم جثَّةٌ، لا بُدَّ لأهلِ غَزَّةَ أن يعبروها جميعًا، ليروا هذا الَّذي يقول: تمسَّكوا بالأمل.
الأرض
…وإنَّ فلسطينَ من عَزْمِ الأمور.
ولا نصرفُ العَزْمَ على الصَّبرِ وقد كنَّا فيه بشرًا يحملونَ ما تعجزُ عن حَمْلِه الآلهةُ والجبالُ والإنسُ والجنُّ والأوَّلونَ والآخرون.
وإذ نصرفُ العَزْمَ على الرَّغبةِ في الحياةِ فإنَّنا نحيا حتَّى لو كانت فلسطينُ تحتَ أقدامِنا ممزَّقةً بحواجزِ الاحتلالِ وبالطُّرُقِ الالتفافيَّة إلى بيوتِنا.
ثمَّ إنَّ بيوتَنا قوَّضَتْها جرَّافاتُ الاحتلالِ والقصفُ المدفعيُّ والصاروخيُّ والجوِّيُّ لأبنائِنا، لمدارسِ أبنائِنا وقد امتزجَ الحِبرُ بالدمِ، أو يتآمرُ ليفي أشكول وجولدا مائير وبنيامين نتنياهو على دفعِنا إلى الإبادةِ أو إلى الترانسفير.
ولا يُقالُ إنَّنا كسرَنا الظَّنُّ بمحنةٍ قادمةٍ، وقد كنَّا أُولِي العَزْمِ في مِحَنٍ لا تُحصَى، من النَّكبةِ إلى إتلافِ بساتين الزيتون.
وكلُّ يومٍ لدينا هو يومُ الأرض.
وإذ لا نعرفُ غيرَ فلسطينَ أرضًا فإنَّ فلسطينَ من عَزْمِ الأمورِ أرضًا وشعبًا وحَبَقًَا وزيتونًا ونخلًا وذاكرةً لا تعيدُ علينا الهزيمةَ وقد رأيناها وجهًا لوجِهٍ في الجليلِ والنَّقَبِ والقدسِ والخليل.
وإنَّنا الحاضرون حصرًا ونصًَّا في قانونِ «أملاكِ الغائبين»، في سَخنين والطَّيْبَةِ وفي كلِّ شبرٍ من أرضِ فلسطين.
وحتَّى تعودَ الخريطةُ إلى أصلِها غدًا، أو بعدَ مليونِ عامٍ، لن نكونَ الَّذين يطردُهم «قانونُ العودةِ» من أرضِهم، ولا الَّذين ينتظرون نحرَ أعناقِهم بقرارٍ دوليٍّ جديد.
وإذ نحنُ في القانونِ النَّفسيِّ لأقدارِنا نعرفُ أنَّ فلسطينَ هي كلُّ أقدارِنا وهي الأرضُ التي لن يعيشَ عليها كلُّ مَنْ لا يعملُ على زوالِ إسرائيل.
وإن احتكَمْنا إلى الإنسانِ، فإنَّنا نُرحِّبُ في أرضِنا بكلِّ مَنْ يؤمنُ بزوالِ إسرائيلَ، عربيًَّا كانَ أو يهوديًَّا، وذلكَ أيضًا من عَزْمِ الأمور.
ولا تقلْ، إنَّكَ لا تعرفُ عن فلسطينَ شيئًا، إنَّ فلسطينَ من عَزْمِ الأمور.
