ثلاث لمحات قصيرة وسريعة، في أحدث قصص الكاتب السوري علي جازو، حيث يعيد كتابة مشاهد تبدو اعتيادية، لكن بين السطور نقرأ أكثر مما نتوقع.
حملة الملاعق
على مدخل الباب الضخم العريض المفضي الى الطابق السفلي من مبنى شاهق، تزاحم حشد من الناس لا حصر لهم. كانت ملامح أعضاء الحشد متشابهة، إن من جهة الوجه أو القامة. حتى الأحذية كانت من النوع المألوف، سوى أنها بدت عتيقة، وبعض الأحذية تشي بخضوعها لرتق ورفو متعاقبين. ربما تعود الأحذية لهذا السبب الى أجيال سالفة كانت لها المهن نفسها لأولئك المتزاحمين اليوم فاغري الأفواه متعبين من طول الانتظار. الملابس كذلك تشابهت وقد عراها الذبول والانطفاء.
حمل كل واحد منهم ملعقة بيده. يُستغرب عدم حملهم صحونًا أو سكاكين. بدو مسالمين أول الأمر وبالتالي لن يحتاجوا لأي نوع من السكاكين حتى تلك الصغيرة التي يحملها السياح أو محبو رياضة المشي في الغابات وتسلق الجبال.
ظل الحشد صامتًا هادئًا إلى أن بدأ التذمر يسري في النفوس. نسيت ذكر أن الحشد في الحقيقة ليس واحدًا وما يميزه عن حشود أخرى انقسامه الفطري والموروث إلى ثلاثة أصناف. صنف يحمل ملاعق صغيرة كتلك التي للأطفال عادة أو تشبه ملاعق تذويب السكر في الشاي. الصنف الثاني، والذي يبدو عليه الرضى الصامت، ورغم صعوبة تمييزه عن الأول، لديه ملاعق متوسطة الحجم جيدة ومناسبة لتناول الأرز. أما الصنف الثالث فيحمل ملاعق كبيرة جدًا ومن السهل رؤيته وسط الحشد لهذا السبب. إلا أن ذوي الملاعق الكبيرة لم يقفوا معًا ولا مرة واحدة. كانوا يتفرقون وينتشرون كل حسب ما يرغب قريبين من الآخرين حاملي الملاعق الوسط والصغيرة. لئلا يلاحظ أحدٌ تميزهم بقوا على عهدهم ذاك جيلًا بعد جيل.
كيلا يطول وقت الانتظار ولا يشتد الملل يقترح ذوو الملاعق الكبيرة على الآخرين مساعدتهم على المرور أولًا. وهكذا يدفعونهم شيئًا فشيئًا الى المقدمة ولو بصعوبة، بسبب إقدام نظرائهم على الفعل نفسه. وبعد خلافات طويلة ومشادات تبلغ حد التشاتم الفظيع، يلجأ أصحاب الملاعق الكبيرة إلى دفع المتشاتمين وراءهم، وفي النهاية يبقون وحدهم سعداء أمام مدخل البناية، ثم يدخلونها ببطء دونما تزاحم كما لو أنهم أبرموا اتفاقًا مسبقًا فيما بينهم.

خبرة الأخطبوط
جرى توزيع الأدوار على نحو اعتباطي، ومع ذلك لم يعترض أحد من اللاعتباطيين. لكل لاعب دور، لكن الخلاف دب لاحقًا. لم يرضَ الدب بدور الرجل الشرطي المريض والسلحفاة رفضت عرض الملكة. تمرد الأرنب واغتصب مكان المحامية المغناج. لم يبالِ الثعلبُ واكتفى وحده بقبول دور مراقب الدوام عن بُعد. أحدهم استغل عدم الانتباه وأخذ دورين معًا، دور الخنفساء المرتابة من كل شي ودور العصفور اللامبالي لكن الحذر في نفس الوقت. أما الأخير ففضّل التسلح بخبرة الاخطبوط. كان الغش الصفة المشتركة بين الجميع واستطاعوا التخلص من الغش من دون قصد عبر إخلاصهم الدوري لتبادل الأدوار، بعدما غدا الغش عادة وتقليدًا. نوعًا من التراث الحميم الحميد.
وجاء دور الأجيال الجديدة للعمل الجاد على حفظه وصونه من كل مكروه ذاك انه اعتبر من الفنون الراقية بل ربما هو من أغنى الفنون على الإطلاق. ولهذا الغرض نُظم معرض فني لحفظ الفن وجرى توزيع الأدوار والوظايف على الفنانين، فاختار الأول الثعلب والثاني العصفور وهذا… إلخ.

خاتمة رحلة محمود جوهر
فتح السيد محمود سعيد جوهر عينيه ليجد نفسه متعرقًا جالسًا على مقعد خلفي بآخر باص أصفر الأرضية طويل. كانت الإضاءة خافتة، ومع ذلك تبين له أول الأمر اللون الأصفر الزاهي والعذب للممر الضيق الفاصل بين المقاعد. وبعد حين إذ لم يجد حوله أحدًا سواه في الباص استغرب ثم قال في نفسه لا شك أن راكبًا ما على الأقل يصعد الى الباص في المحطة القادمة. لكن الباص، وبعد مضي فترة ليست قصيرة، لم يتوقف وظل على سرعته ثابتًا.
كانت سرعة الباص بالنسبة للسيد محمود أسرع مما هو معتاد في باصات النقل الداخلي. لا بل كانت أسرع الى الحد الذي ينتاب المرء فيه بعض الخوف. لا شك أن السائق شاب متهور أو عجوز مخمور. ربما كان هناك ما هو ضروري يستدعي هذه السرعة غير المريحة. ثم إذ طال الأمر على السيد محمود راح يرفع رأسه بين الحين والآخر ليتبين له رأس شوفير الباص أو كتفه أو ساعده الأيمن. لكنه لم يحظ برؤية بأي جزء رغم محاولاته المتكررة.
ثم خف أثر اللون الأصفر وصار يحل محله شيئًا فشيئًا مزيج من الرمادي والأخضر، ثم طغى الرمادي وشرب الأخضر حتى آخره. وفي الأثناء ازدادت برودة المقعد وعتمة الباص من الداخل، وتسرب البرد إلى أطراف السيد، والتصق الخوف بقلبه وشفتيه وعينيه.
من خلف زجاج الباص لم يظهر من المكان والزمان سوى الظلام وحفيف الباص السريع بالهواء. قال السيد محمود لنفسه حينها لعله الشتاء إذًا، لعلنا في قلب الليل وإلا لما هذا البرد الشديد ولم هذا الظلام كله؟!
ثم فجأة حط طائر أزرق ريش الجناحين أبيض الصدر أحمر الرأس واسع العينين قرب السيد محمود وبادره بالكلام من دون مقدمة وبصوت عال وحاد آمرًا: “أخرج من هذا الباص على الفور، انزل يلا”.
شلّه الصوت في مكانه، ثم رجا السيد محمود الطائر دامع العينين: “فقط أخبر السائق أولًا، أرجوك”. ردّ الطائر: “أنا السائق!”.


