يومان عاديان في حياة مجد كيال، بعيدًا عن الحرب وقريبًا منها، نرى وطأة ما يحدث في غزة على كاتب فلسطيني من حيفا.
بحر الودود
يوميّات من حيفا، في الصيف الثاني لإبادة غزّة
الاثنين، 21 تمّوز 2025، الواحدة ظهرًا.
ذات الهدوء المألوف في بحر الودود رغم العطلة الصيفيّة. الماء شبه فارغ. آخر السباحين قبعتان زهريّة وصفراء عند آخر كاسر الأمواج. علّقت كيس القماش، وفيه هاتفي ودفتري الأحمر ومفاتيح البيت، إلى جانب حقائب معلّقة على السّياج الصدئ حول برج المنقذ. كانت الحقائب لثلاثة رجال بالخمسينيّات من العمر، بلقان، ربما رومانيين. صُلعان، لكن شعر صدورهم كثيف بشكلٍ غريب، وكان شعر الصدر متشابهًا رغم أنّهم لا يُشبهون بعضهم البعض. كروشهم هائلة، من تلك الكروش الصلبة، لكن سيقانهم جد نحيفة. عند حافة الماء فتاة بجلبابٍ ونظّارات شمسية مربّعة الإطار كبيرة الحجم تغطّي ثلث وجهها، تصوّر أختها الصغيرة بالهاتف، والأخت تستعرض على شفّة الرمل ملابس البحر المحتشمة. مرّت من خلف الصغيرة امرأة روسيّة مسنّة ضخمة تلبس مايوهًا عليه رسوم الكلاب المرقّطة (الدلماطيّة) وتربط حول فخذها إشربًا أزرق من الحقبة السوفيتيّة. دخلت الماء أسبح، وغطست قبل أن أصل الحبل الطفّاف رغم أن الماء لم يصل صدري بعد. مررت بجانب رجل وامرأة يتحدّثون عن المساجات التايلانديّة. كانوا يحكون بلهفةٍ متوتّرة عن الاسترخاء، وطفوا على وجه الماء، وكان الرجل يلبس قبعة كوموفلاج خضراء ونظّارة سباحة تغطّي الأنف ومعه طفّاف (ولّا طوّاف؟) احترافي، وهي معها طفّاف مشابه. ثم ابتعدتُ وانتبهت لرجلٍ يلبس زيّ غوص أسود، ولا يخرج فوق سطح الماء إلا لثوانٍ قليلة ثم يختفي. ومن مسافةٍ، كانت لمعة بدلة الغوص تشبه بصقة نفطٍ على سطح الماء. السفن في الأفق كثيرة. مصطفّة واحدة تلو الأخرى بموازاة الشاطئ خارجةً من الميناء نحو الجنوب. وهي باصطفافها تغلق الأفق، وتتعامد بصريًا مع كاسر الأمواج، ما يعطيك شعورًا بأن بحر الودود بركة مغلقة لها حدودها الآمنة. سبحت عدة مرات حتّى آخر الكاسر، حيث يصبح الماء باردًا ويعلو ويحلو صوت الموج المتكسّر، وثمّة رائحة قويّة تنبعث هناك، زنخة البحر الحيّ بكامل عنفها. خرجت قليلًا لأستريح من السباحة. مشيت أشرب الماء، وأحرقت أسفل قدميّ من حرّ الأرض. نسيت الشحويطة. وانتبهت لرجلٍ كبير السن ينام على جانبه فوق الرمل الحار، دون أي شيءٍ تحته، ويقرأ روايةً بوليسيّة روسيّة ضخمة، يزيد عدد صفحاتها عن الألف صفحة بكل تأكيد. رأيت طفلًا شحويطته مقطوعة ويبكي. وتساءلت كثيرًا إن كان القرار الصحيح أن أشتري بيرة من الكشك أم أحافظ على سير نهاري وأعود لشغلي. الحَمامُ غبي. يصطفّ عند حافةٍ إسمنتيّة ممتدة على طول ملعب كرة السلّة الصغير وأرضيّته ليلكيّة اللون. وفي الملعب ولد يدربِل بالكرة وحيدًا، ومرّة كل بضع دقائق يشوط نحو سياج الملعب فيطير الحمامُ. ثم بعد دقيقة، يحطّ الحمامُ، ويتكرّر الأمر مثل أغنية مملّة. رأيت رجلًا غريبًا، يلبس زيًّا أحمر من أخمص قدمه حتّى رأسه، ولا يظهر أي شيءٍ من وجهه، يشبه سبايدرمان ويؤدّي تمارين ليونة غريبة جدًا، والأرجح أنه مجنون، على طاولات الخرسانة التي يتوسط كل واحدةٍ منها لوح شطرنج مبنيّ في الطاولة، يلعب عليه المسنّون الروس الشطرنج أحيانًا، أو العرب، يلعبون الضامة. في ماء الشاطئ الشرقيّ رأيت مسنًا يجلس تحت درج الحديد الذي ينزل الماء.
ذهبت أشرب القهوة وأتنشّف بالشمس في مقهى برغليم (فأنا لا أحضر معي منشفة أبدًا). انسدّت أذناي من الماء، ولا أسمع جيّدًا ما يحكيه الناس حولي، لكنّي هززت رأسي كثيرًا مثل الأبله على حافة الرصيف ليخرج الماء، ولم يسعفني ذلك تمامًا، لكني سمعت من خلفي رَجلين إسرائيليين يثرثران، وكان صوتهما مغمغمًا، وتحدّثا عن صديقهما المرحوم، وعن ابنه وابنته، عن أدبهما وأخلاقهما، وأن الأوّل يخدم الآن في «مغلان» والثانية في «آرايوت هياردين.»

الخميس 24 تمّوز 2025، الحادية عشر صباحًا.
الريح اليوم قويّة، والماء مرتفع فلا تصل أقدامك الأرض حتّى قبل حبل الطفافات الصفراء. في الماء، من شدة الهواء، يطير الرمل الرطب من كاسر الأمواج ويرتطم بوجهك كلما حاولت أن تطفو على ظهرك لبضع دقائق. كانت ليلة الأمس صعبة، لكنّي لا أريد الكتابة عنها. لسبب لا أعرفه، وبغصةٍ حزينة غير مبرّرة، تذكّرت ما يحكيه عمّي أبو سامي، حليم حدّاد، عن شباب حيفا في الستينيّات، وقصص السباحة إلى عكّا. وكانوا عندما يشعرون بالتعب «وسط الطريق» يطفون على ظهورهم حتّى استعادة القوى. من الماء رأيت سائحًا، غريبًا بكل تأكيد، لا شكل له، يستعرض تمارين التوازن واليوغا على الرمل. كان تافهًا ولا يعرف أننا لا نفعل مثل هذه الأمور هنا. في هذه الساعات، لا هي صباح باكر ولا عصريّة، تكون تركيبة الناس غريبة ومتبدّلة ولا يميّزها شيء يُذكر. المنقذ في البرج يحكي مع صاحبه عبر الهاتف وقد نسي المكرفون مفتوحًا. نمت على الرمل أراقب الناس. مرّت امرأة مسنّة مع حفيدها ووقفتْ تحت برج الانقاذ، ويبدو أن المنقذ صديقَ ابنها. فسلما عليه، وطلب الطفل أن يصعد إلى البرج، وكانت المرأة تصرخ من تحت ليصل الصوت، والمنقذ يحكي معها بهدوءٍ عبر المكرفون. ثم صعد الطفل إلى البرج، وحاولت الجدّة أن تصوّره من تحت. المشكلة أن السيّدة وقفت في الشمس، أمّا البرج فمظلل، وجاءت الصورة معتمة، أو أن المرأة لم تستطع رؤية أي شيء على الشاشة. الطفل الذي كان متحمسًا لصعود البرج تبدو عليه الآن علامات الخوف ويريد النزول سريعًا. في الماء مراهقةٌ مع امرأة قد تكون أمّها أو خالتها أو زوجة أبيها. من الواضح أنهما تحاولان التودّد لبعضهما البعض عبثًا. تثرثر المراهقة بثقة وكثافة، ولا تفهم البالغة شيئًا لكنها تتظاهر بالاهتمام. تقول المراهقة إنّ حيفا كانت عاصمة موسيقى الـ punk لعقودٍ طويلة، لكنّ «الشعلة» انتقلت الآن إلى تل أبيب و«عواصم أوروبيّة أخرى.» البالغة لا تفهم شيئًا مما تسمعه، والمراهقة لا تفهم شيئًا مما تقوله. رأيت في الماء رجلًا يشبه عمّي يوسف، وهممت أسبح باتجاهه لألقي عليه السلام، وعندما وصلت، والرجل لا زال يُشبه عمي يوسف، تذكّرت أنّ عمّي توفّي قبل سنتين وأنّي أنزلته إلى القبر بيديّ هاتين. أخذت معي كاميرا فيلم 35 ملم، تافهة جدًا ولكنها رخيصة ولها غطاء خاص للتصوير تحت الماء. يبدو لي أن التجربة كانت فاشلة وعليّ أن أتوقّف عن شراء الأشياء الرخيصة من الانترنت. الفن يحتاج فلوسًا لا أملكها. الشيء الطريف في تصوير الأنالوغ هو القانون الحتميّ الآتي: مقابل كل صورة أنالوغ تأخذها، ستتبادل الحديث مع ختيار روسيّ واحد. قطعت الكاسر رغم عنف البحر اليوم. أحب جدًا شكل ستيلامارس من هنا. وأحب مار الياس. لو حذفوا الكتب الدينيّة كلّها وخيّروني أن أبقي قصّة واحدة، لأبقيت مار الياس. ونحن كنّا نسمّيه الخضر. ثم بدأ الناس يدققّون بالحقائق والأصول وبعبصوا الأمر.
ذهبت أشرب القهوة في سانفلاور. جنود وأطباء وهيبسترز. لا شيء يصف كرهي لتفاهة المخبوزات وصرعة الكوراسونات المريبة. البار المقابل الذي جلست فيه مرة واحدة (في نفس اليوم الذي صادفت فيه ندى في مار الياس!) ثم أقفل أبوابه مدة طويلة، رأيته الآن مفتوحًا. النباتات في سانفلاور مزروعة في أحواض إسمنت كبيرة، بجانب كل نبتة عود بلاستيكيّ يحمل بطاقةً عليها اسم النبتة. كأننا في لقاء نيتووركينغ.